أبي منصور الماتريدي

498

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [ النحل : 24 ] . ثم اختلف في قوله : قالُوا خَيْراً : قال بعضهم : قوله : قالُوا خَيْراً أي : قولهم الذي قالوا أنه أرسل بحق ، وأنه كذا خير . وقال بعضهم : قوله : قالُوا خَيْراً حكاية عما أنزل على رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : و خَيْراً : أي : أنزل عليه ربنا خيرا ، أو أن يكون الناس الذين يأتون من الآفاق يسألون عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، فإذا سألوا المؤمنين : ما ذا أنزل ربكم ؟ قالوا : خيرا ، وإذا سألوا الكفرة قالوا : أساطير الأولين . وجائز أن يكون أتباع المؤمنين سألوا كبراءهم : ما ذا أنزل ربكم ؟ قالوا : خيرا ، مقابل ما كان من كبراء الكفرة لأتباعهم أساطير الأولين . وقوله - عزّ وجل - : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ من النصر لهم ، والظفر على عدوهم . وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لهم مما « 1 » كان أعطاهم في الدنيا . وقال بعضهم : للذين أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة ، ولدار الآخرة خير [ لهم مما كان أعطاهم في الدّنيا ] « 2 » ؛ أي : الجنة خير وأفضل للمؤمنين مما أوتوا في الدنيا . وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ : قال هذا للمؤمنين مكان ما قال للكافرين : فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [ النحل : 29 ] ثم نعت الدار التي وعد المتقين ؛ فقال : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من اللذات والشهوات . فإن قيل : أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين ؛ أيكون لهم ما شاءوا ؟ قيل : لا يشاءون هذا ؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إمّا حسدا ؛ وإمّا تمنيا ، فلا يكون في الجنة حسد ؛ لأن الحسد هو [ أن يرى ] « 3 » لأحد شيئا ليس له ؛ فيحسد أو يتمنى مثله ، فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون ويخطر ببالهم ، فلا معنى لسؤالهم ربهم ما لغيرهم ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في أ : ما . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : أن لا يري .